عشرون سنة من حكم الملك محمد السادس..مسار بناء ديمقراطي متفرد

عشرون سنة من حكم الملك محمد السادس..مسار بناء ديمقراطي متفرد

تحليل إخباري:

عشرون سنة من حكم الملك محمد السادس..مسار بناء ديمقراطي متفرد

ليس الأمر بمبالغة في المقاربة، ولا تضخيما في العنونة. إنها الواقعية في أبهى تجلياتها. فقد فتح الملك محمد السادس منذ اعتلائه للعرش، سنة 1998، عددا من الملفات التي كانت في السابق تصنف لدى الطبقة السياسية والإعلامية ضمن “الطابوهات”. ومن أبرز الملفات، ملف ما بات يعرف بـ”سنوات الجمر والرصاص” والذي تمكن من تجاوز خدوش المعتقلات السرية التي عدد من المعارضين في اليسار الراديكالي ومتهمون بالتورط في المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين لسنتي 1971 و1972.

واستطاعت لجنة المصالحة والإنصاف أن تؤسس لتفرد المغرب في تحول ديمقراطي ارتكز على اعتراف الدولة بماضي الانتهاكات والقطع معه، وجبر ضرر الضحايا، وإقرار توصيات لجبر ضرر جماعي لمناطق تعرضت بدورها لشظايا هذا الماضي الأليم. وتقرر إجراء تعديلات جوهرية في تركيبة وهياكل واختصاصات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان والذي تحول إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وأصبح مؤسسة تتماهى في تدخلاتها مع المعايير الدولية المعتدة لدى المؤسسات ذات الاختصاص.

وفي مجال الأمازيغية، اعترف المغرب لأول مرة في تاريخه بالمكون الهوياتي الأمازيغي. وأحدث مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والتي أوكلت لها مهمة تأهيل الأمازيغية في مختلف روافدها وإدماجها في مختلف مناحي الحياة العامة، حيث جرى إدماجها في قطاع الإعلام وقطاع التعليم. وفي الدستور الجديد (2011)، أصبحت الأمازيغية لغة رسمية، إلى جانب اللغة العربية.

وحظيت مدونة الأسرة بإشادة دولية، خاصة وأن “منطقة الأسرة” وما يرتبط بها من حقوق المرأة توجد في تماس مباشر مع المرجعية الدينية في البلاد الإسلامية. واستطاع المغرب أن يتجاوز التقاطبات التي خلقها هذا النقاش في الشارع، حيث فتح باب الاجتهاد لتكريس مدونة خلقت تحولا مهما في مجال رعاية حقوق النساء والأطفال.

لقد كرس الملك المرحوم الحسن الثاني آخر أيامه، تغمده الله برحمته الواسعة، لتوفير شروط تناوب توافقي لإنقاذ المغرب من “سكتة قلبية” كان يتجه إليها بسبب الأوضاع الاجتماعية وتوتر للعلاقات في المشهد السياسي الذي اتسم طيلة بفترة الاستقلال بصراع بين أحزاب اليسار والدولة. وأدى هذا الصراع إلى تفويت العديد من فرص التنمية على المغرب. ورعا الملك محمد السادس بعد اعتلائه العرش هذه التجربة الفريدة التي كرست التحول الديمقراطي للمغرب، والانتقال السلس للسلطة. وشهد الفضاء السياسي طيلة فترة حكمه انفتاحا مهما أدى إلى زخم في المشهد الإعلامي، بمختلف مكوناته، الورقية والإلكترونية والسمعية ـ البصرية.

واجتهد المغرب في إخراج عدد من المشاريع الكبرى إلى حيز الوجود، حيث لا يمكن إنكار الانعكاسات الإيجابية التي خلقتها الطرق السيارة، وإحداث الموانئ، خاصة الميناء المتوسطي، وتوسعة عدد من المطارات، وتعبيد الطرق. كما اجتهد في إخراج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى حيز الوجود، والتي ساهمت في مراحلها المختلفة في الاهتمام بفئات ومناطق تعاني من الهشاشة الاجتماعية. ولا تزال هذه المبادرة تؤدي أدوارها الاجتماعية المهمة في إحداث مشاريع تقدم خدمات قرب لساكنة الأحياء الفقيرة، ومناطق العالم القروي.

وحدثت تحولات جوهرية في المرافق الإدارية، وفي خدمات القرب. كما شهدت عدد من القطاعات الحساسة تغييرات أساسية، كما هو الشأن بالنسبة للجهاز الأمني الذي كرس قيم الشفافية في تعامله، ورسخ سياسة تواصلية ناجعة، ونجح في خلق نموذج يحتذى به خبرة وأداء في مواجهة التطرف والإرهاب. وكان هذا المجهود محط إشادة على الصعيد الدولي.

وظل الملك محمد السادس قريبا من الشعب. ومن أبرز انشغالاته النهوض بالأوضاع الاجتماعية لفئات واسعة تعاني من صعوبات الإندماج في الحياة العامة. وقد أثارت الخرجة الإعلامية لكل من المستشار الملكي عمر عزيمان، وعبد اللطيف المنوني، هذه الانشغالات في حوار أجرته معهما وكالة الأنباء الفرنسية، حيث تطرقا إلى الخصاص المتواصل في إحداث فرص شغل للشباب، وقال عزيمان إن ثمار التنمية خلال العشرين سنة الماضية لم يستفد منها الجميع”، قبل أن يضيف بأن “لدينا مناطق تعاني التهميش”. وقال وهو يتحدث بكثير من الواقعية حول هذا الجانب:”لدينا مناطق تعاني التهميش، بوسع المغاربة أن يفخروا بما تحقق، لكننا لا نستطيع تجاهل النواقص، والاختلالات”.

ولعل من أبرز عناصر الاختلالات نخبة سياسية عاجزة عن الفعل، وعن اقتراح الحلول، وإبداع مشاريع تساهم في تجاوز هذه الأوضاع، سواء على الصعيد المحلي أو على الصعيد الوطني.

northeco

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *